عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
239
اللباب في علوم الكتاب
فصل في بيان هل الكفار داخلون في المخاطبة بالحسنى قال بعضهم : إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أما مع الكفّار والفسّاق فلا ، بدليل أنه يجب لعنهم وذمّهم ومحاربتهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسنا ، وأيضا قوله تعالى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [ النساء : 148 ] والقائلون بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار منسوخا بآية القتال . ومنهم من قال : إنه دخله التّخصيص . وزعم أبو جعفر محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره ، ولا حاجة إلى التخصيص ، ويدلّ عليه أن موسى وهارون مع علوّ منصبهما أمرا بالرّفق واللّين مع فرعون ، وكذا محمد صلّى اللّه عليه وسلم أمر بالرفق وترك الغلظة بقوله : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ النحل : 125 ] . وقال : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام : 108 ] . وقوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] . وقوله : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . وأما ما تمسكوا به من أنه يجب لعنهم وذمهم . قلنا : لا نسلّم أنه يجب لعنهم ، وإن سلّمنا لكن لا نسلّم أن اللّعن ليس قولا حسنا . بيانه : أنّ القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يستهوونه ، بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به ، ونحن إذا لعنّاهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك نافعا في حقهم ، فكان قولا حسنا ، كما أن تغليظ الوالد لولده في القول يكون حسنا ونافعا من حيث يرتدع به عن الفعل القبيح . سلمنا أنّ لعنهم ليس قولا حسنا ، ولكن لا نسلّم أن وجوبه ينافي وجوب القول الحسن . بيانه : أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقّا للتعظيم بسبب إحسانه إلينا ، ومستحقّا للتحقير بسب كفره ، وإذا كان كذلك ، فلم لا يجوز أن يقال بوجوب القول الحسن معهم ، وأما تمسّكهم بقوله تعالى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [ النساء : 148 ] . فجوابه : لم يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم ليحترز الناس عنه [ وهو المراد بقوله عليه السلام : « اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس » ] « 1 » .
--> ( 1 ) سقط في ب .